إحاطة مجلس الأمن بشأن الوضع في ليبيا – أكتوبر 2026
نيويورك — 14 أكتوبر 2026
جلسة مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة حول الوضع في ليبيا
بيان دولة ليبيا
سعادة السفير طاهر محمد السني، المندوب الدائم لدولة ليبيا لدى الأمم المتحدة
السيدة الرئيسة
نتمنى لكم التوفيق خلال رئاستكم للمجلس هذا الشهر، ونشكر السيدة هانا تيتيه على إحاطتها، وأخذنا علماً بما ورد فيها.
ونؤكد مجدداً أن انعقاد هذه الجلسات يجب أن تقترن دائماً بإرادة حقيقية لكسر الحلقة المفرغة للجمود السياسي، وتجاوز المقاربات النمطية، والمضي نحو إجراءات ملموسة تحقق تطلعات الشعب الليبي نحو السيادة و الاستقرار.
السيدات والسادة
عند الحديث عن المسار السياسي و ما آلت اليه الأمور اليوم ، من الضروري الرجوع قليلاً لتوصيف مجريات الأحداث ووضعها في الاطار الصحيح ، فمنذ تجربة الاتفاق المالي الموحد التي بدأت قرابة العام ، و التي قامت على التفاوض المباشر، فقد أسهمت في تنفيذ جانب منها إلى الوصول لنتائج ملموسة انعكست في البيانات الصادرة عن مصرف ليبيا المركزي ووزارة المالية والمؤسسة الوطنية للنفط.
حيث أظهرت البيانات وجود فارق كبير بين الإيرادات والإنفاق، يُقدّر بنحو 24 مليار دينار لصالح الإيرادات ، ومن ثم ساهم ذلك في توجه بعثة الأمم المتحدة نحو اعتماد الآلية ذاتها من خلال تشكيل لجنة الحوار المصغر (4+4)، وهو المسار الذي أفضى إلى تفاهمات سياسية سريعة بشأن القضايا المرتبطة بالعملية الانتخابية ، مثل مشاريع القوانين الرئاسية والبرلمانية، وآلية اختيار رئيس المفوضية العليا للانتخابات.
إن ما تحقق في هذا المسار يمكن أن يكون أساساً للبناء عليه لاستكمال معالجة الملفات العالقة، بما في ذلك ما بدأ فعليا ضمن هذا المسار ببحث أوضاع المؤسسة القضائية ومعالجة مظاهر الانقسام التي طرأت عليها، وصولًا إلى توحيدها وتعزيز استقلالها، باعتبار ذلك أحد المتطلبات الأساسية لتهيئة الظروف الدستورية والقانونية والمؤسسية اللازمة لإجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية.
ونؤكد هنا أن الوصول إلى هذا التوافق القانوني و الدستوري ليس غاية بحد ذاته، بل هي الأداة الوحيدة لتمكين الشعب الليبي من ممارسة حقه في اختيار قياداته وتحديد شكل مؤسساته، فلا يمكن لأي مسار سياسي أن يكتسب شرعيته ما لم ينبع مباشرة من صوت الشعب.
السيدات و السادة
وبالرغم ما تقدم و الخطوات الإيجابية التي تحققت لدعم العملية الانتخابية من خلال لجنة 4+4، تبرز أسئلة جوهرية تدور في الأذهان و مُقدَمة من عدة مؤسسات و نخب سياسية وغيرهم ، و وجب علي اليوم نقلها لكم كما هي.. وبكل شفافية ، وهم ينتظرون الإجابة عليها:
يسألون ، كيف ترى البعثة الأممية طريقة التعامل والاستجابة لتحفظات وملاحظات عدة مؤسسات وقوى سياسية ، على آلية عملها و تعاطيها مع المسار السياسي وعدم مشاركتهم فيها ؟ و ما هي سياسة البعثة لتحسين هذه الآليات ، وتوسيع دائرة التشاور والمشاركة للبناء على الحوار المصغر ، و للتأكد من عدم الاقصاء وضمان نجاح العملية السياسية والحوار الوطني؟
وظهر لكم مثال لهذا التحفظ و التساؤل في رفض المجلس الأعلى للدولة في جلسة رسمية و الرئاسي من خلال مراسلته لكم ، ظهر تحفظ لمنهجية عمل لجنة 4+4 ، حيث ذكروا أهمية مراجعة مدى القبول السياسي والمؤسسي قبل البناء على أي مخرجات ، و أن يكون ادخال بعض التعديلات إن لزم الأمر بالتشاور مع هذه المؤسسات و غيرهم، ليكون السبيل الانسب للمضي قدما في هذا المسار، و ليتم دعمه و اعتماده بالآليات الدستورية اللازمة.
وهم يحذرون ، من أن أي مسارات موازية تفتقر إلى التوافق الوطني قد تؤدي إلى زيادة انقسام المؤسسات بدلا من توحيدها . لأنه من المهم ضمان سلامة اَليات الاختيار والتمثيل المؤسسي ، تفاديا لإنتاج ترتيبات جديدة قد تكون قابلة للطعن القضائي. وما شاهدناه من تداعيات احتمال انقسام مجلس النواب مؤخراً و التي ظلت موحدة لسنوات طويلة ، لدليل على خطورة الموقف الراهن.
وهم أيضاً ينبهون إلى أهمية الحفاظ على دور البعثة كوسيط محايد ، وتجنب أي خطوات قد تفسَّر باعتبارها انحياز لطرف بعينه ، والحياد يكون باحترام الاتفاقات السياسية و مؤسساتها حتى لا يكرس هذا مبدأ الاحتكام للقوة ويهدد بمزيد من تقويض لمؤسسات الدولة واستقرارها والمسار الديمقراطي المنشود، ويثير ذلك أيضاً تساؤلات منهم بشأن قابلية أي مخرجات للتنفيذ ومدى مساهمتها في معالجةالانقسام المؤسسي بدلاً من تعميقه.
وقد خلصت هذه الملاحظات و التحذيرات لدرجة طلبهم من الأمين العام تقييم مستقل لأداء البعثة وآليات الحوكمة والشفافية فيها ، مع النظر في تجديد أقصر لولاية البعثة ومشروط وبمعايير أداء واضحة.
هذا السيدة المبعوثة ما تم التحذير وها قد نقلناها لكم …. أسئلة مشروعة ومشاغل تقتضي التوضيح، فكيف ستُعالج هذه الخلافات لضمان المشاركة من الجميع و نجاح المسارات المطروحة ؟
السيدات و السادة
نعيد التأكيد على أهمية احترام كل المبادرات والحوارات الوطنية التي تستجيب لتطلعات الليبيين، على أن تُفضي بشكلٍ صريح إلى مسار انتخابي واضح ومُلزم، لا إلى مراحل انتقالية جديدة ، تُفضي إلى انتخابات حرة ونزيهة وبقوانين عادلة غير إقصائية ويمكن تطبيقها.
كما نرحب بأي جهد دولي بنّاء يدعم الحوار و التوافق الوطني ويسعى لإنهاء الانقسام، شريطة أن يكون خاضعاً للملكية والقيادة الليبية، ومكملاً للإطار الأممي ومخرجات الاتفاقات السياسية وقرارات مجلس الأمن ذات الصلة.
السيدات والسادة
إن ما شهدته مناطق في غرب البلاد من هجمات سابقة طالت منشآت حيوية للنفط والطاقة والتي اُستخدم فيها الطيران المسير، تُذكّرنا بأن غياب الحل السياسي وتعدد مراكز القوة يعرّضان المدنيين والبنية التحتية للخطر. ومن هنا ندين بصورة قاطعة الاستهداف المتعمد لجميع المنشآت المدنية مهما كان المبرر و مهما كان من ورائها.
وكما تابعتم فقد كشفت الأجهزة الأمنية التابعة للحكومة عناصر الخلية التي قامت بهذه العملية الجبانة ، و لازالت التحقيقات جارية لكشف كل المتورطين فيها ، ليأخذ القانون مجراه وتتم المحاسبة ضد هذه الجريمة عاجلاً أو آجلا.
و نؤكد مجدداً أننا لن نسمح بإخضاع المصدر الرئيسي لدخل الليبيين للمساومات والضغوط الأمنية أو السياسية. نؤكد أن النفط ليس ورقة تفاوض، ولا ملكاً لطرف أو منطقة أو مجموعة بعينها، بل هو ثروة وطنية تعود ملكيتها إلى جميع الليبيين. ونطالب بمحاسبة كل من يثبت تورطه في تعطيل الإنتاج أو تهريب الوقود والنفط أو الاستيلاء على الإيرادات، دون انتقائية، وملاحقة الشبكات المحلية والدولية التي تستفيد من هذه الجرائم دون تمييز.
وفي الختام، نعيد التأكيد أن الملكية الليبية للعملية السياسية لا ينبغي أن تبقى شعاراً يتكرر دون أن ينعكس في واقع الممارسة؛ ورغم تمسك الليبيين بحقهم السيادي في امتلاك قرارهم الوطني وعدم التفريط فيه، فإن حجم الانخراط الدولي في الشأن الليبي أصبح واسعاً ومتداخلاً في مختلف المسارات.
ومن ثم، و كما ذكرنا سابقاً فإن المطلوب أن يكون الدور الدولي داعماً للإرادة الوطنية..لا بديلاً عنها، ومسانداً للمؤسسات الليبية …لا متجاوزاً لها، وأن تتحول الملكية الليبية من مبدأ معلن ، إلى ممارسة فعلية تحترم حق الليبيين في تقرير مستقبل دولتهم.
ورغم كل ما سبق من تحديات ، فإنني أؤكد لكن بأن ليبيا عادة و تعود لمحيطها الإقليمي و الدولي ، و نتطلع لشراكة مع الجميع في كافة المجالات مبنية على الندية و احترام السيادة الوطنية.
