المناقشة العامة للجمعية العامة – الدورة الـ 81
نيويورك — 23 سبتمبر 2026
المناقشة العامة للجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الحادية والثمانون (81)
بيان دولة ليبيا
فخامة رئيس المجلس الرئاسي د. محمد المنفي
معالي الدكتور / خليل الرحمن، رئيس الجمعية العامة للأمم المتحدة.
معالي السيد / أنطونيو غوتيريش، الأمين العام للأمم المتحدة،
السيدات، والسادة،
نلتقي اليوم، والعالم يشهد تحولا كبيرا؛ ليس في موازين القوة فحسب؛ بل في مفهوم القوة ذاته، وفي أخلاقيات استخدامها؛ تحولاً يُعيد تشكيل معنى الأمن، وطبيعة التحالفات، وقدرة النظام الدولي على الوفاء بالمرتكزات، والمبادئ التي تَأسّسَ عليها، ومن أجلها.
وفي قلب هذه التحولات يبرز سؤال يتجاوز حدود الدول، والقارات: كيف نبني نظاماً دولياً تكون فيه سيادة القانون حقاً متساوياً، لا امتيازاً للأقوى؟ وكيف نجعل التعاون شراكةً حقيقية بين الأمم، لا تقاسُماً لمناطق النفوذ؟
إننا – في عالمنا العربي، والإسلامي، وفي قارتنا الإفريقية – لا ننظر إلى هذا السؤال من موقع المراقب، فنحن نعيش نتائجه كل يوم.
واقعاً يتكشّفُ أمامَنا في كل لحظة في فلسطين – الذي نتأسف لعدم قدرة وفده على المشاركة معنا في هذه الدورة – حيث لازالت تتفاقم، محنة شعبها على مر عقود من الاحتلال، والقمع، وتغيير الهوية؛ رغم ذلك مازال متمسكاً بحقه في الحياة، وتقرير مصيره، وهي: حقوق يكفلها القانون الدولي، والقانون الدولي الإنساني دون تمييز.
إن الإنسانية جمعاء تَتُوقُ – بشغفٍ – إلى أن تتحول المواثيق، والقرارات الدولية من نصوص، ووعود إلى واقع، وأن يتحقق حق الشعب الفلسطيني في دولته؛ وفقا للقانون الدولي؛ لأن استمرار تقويض فرص قيامها لا يبدد فرص السلام فحسب، بل يدفع المنطقة إلى توسيع دائرة النزاع، وانتشار التطرف، والبحث عن بدائل في ظل مشاريع توسعية كبرى؛ تتجاوز فلسطين المحتلة، وتمتد الى سوريا، ولبنان.
ولم تسلم المقدسات الإسلامية والمسيحية، ولا المدنيون والمنشآت المدنية في فلسطين من ويلات الصراع، الذي امتدت تداعياته إلى الخليج العربي، وآخرها ما تعرضت له المملكة العربية السعودية. وإننا إذ نؤكد تضامننا الكامل معها في صون أمنها وسلامة أراضيها ومواطنيها ومقدساتها، نرفض كل استهداف يهددها أو يعرّض المقدسات الإسلامية للخطر. فأمن المملكة والخليج، بما يمثلانه من ثقل عربي وإسلامي، ليس شأنًا وطنيًا فحسب، بل ركيزة لأمن منطقتنا واستقرارها.
إن ما يشهده السودان –الجار، والشقيق – من استمرار النزاع المسلح يجعل من شعبه ضحية تدفع ثمنا فادحا لحرب مدمره؛ تتصادم فيها المصالح، والتدخلات، وتتجاوز آثارها حدود السودان؛ لتعرض أمن الإقليم، واستقراره، ووحدة دوله للخطر.
ولعل ما تشهده منطقة ” الساحل الإفريقي ” من عدم استقرار؛ يعرض سلامة دوله لتهديد وجودي؛ نتيجة لتقاطع: الإرهاب، والجريمة المنظمة، والفقر، وتغيّر المناخ، والنزوح، والهجرة، ومن توسع دائرة النزاع المسلح فيها، والتي لم يُعد مقبولاً أن ينظر إليها العالم باعتبارها مجرد مصدر للموارد، أو ساحة للتنافس الدولي، أو هامشا في صناعة القرار العالمي.
فإفريقيا التي تابعنا مسيرتها منذ تأسيس الاتحاد الإفريقي، ليست هامشا للعالم؛ بل هي أحد مراكز عالمه القادم.
وليبيا ليست على حدود أفريقيا، ليبيا من أفريقيا: من تاريخها، ومن أمنها، ومن مستقبلها.
ومن مدينة سرت الليبية انطلقت – قبل عقود –إرادة أفريقية أسهمت في تأسيس الاتحاد الأفريقي، وهي: حقيقة تذكرنا بأن ليبيا لم تكن يوما مجرد جسر بين إفريقيا والمتوسط، بل شريكاً في صياغة المشروع الإفرٍيقي نفسه.
ولهذا؛ فإننا ننظر إلى أمن منطقة الساحل باعتباره جزءاً من أمن ليبيا، واستقرارها، وإلى أمن، واستقرار دول الإقليم، وجميع دول جوارنا الأفريقي القريب، والبعيد، وإلى التنمية في إفريقيا؛ باعتبارها استثماراً في الأمن المشترك لإفريقيا، والجوار الأوربي؛ لا مساعدة يقدمها طرف إلى آخر، أو مسؤولية تلقى على طرف دون اخر.
كما ننظر إلى حوض المتوسط؛ لا باعتباره عازلا بين أفريقيا وأوروبا؛ بل فضاءً مشتركا للتواصل؛ ينبغي أن تنتقل العلاقات بين بلدانه؛ من: مجرد إدارة الهجرة، والأزمات؛ إلى: جعله جسرا للتنمية، والتجارة، وانتقال الطاقة، والاستثمار، والأمن المشترك.
السيدات، والسادة،
تقف ليبيا جغرافيا، وسياسيا عند نقطة التقاء هذه العوالم: عربية في هويتها، ولغتها؛ إفريقيّةً في جغرافيتها، ومصيرها، وانتمائها، متوسطيّةً في جانب أصيل من ثقافتها، ومصالِحها، وشراكاتِها، وإسلاميةً في قيمها الحضارية التي تنحو إلى: السلام، والأمن، وبناء الجسور مع جوارها.
إن تعدد هذه الدوائر لا يمثل تناقضا، بل هو مصدر قوة، ومسؤولية، وفرصة.
ومن هذا الموقع – الجيوسياسي تحديدا – تعلمنا خلال السنوات الماضية درسا قاسيا: حين تضعف الدولة، لا يبقى الفراغ فارغا؛ تملؤه المصالح المتنافسة، وتنشط فيه الجماعات المسلحة، وتنتشر شبكات الجريمة، والتهريب، ويتسلل إليه المال غير المشروع، وتتحول المؤسسات – نفسها – إلى ساحات للصراع على النفوذ.
وعندها، لا تفقد الدولة جزءا من أمنها فحسب، بل يبدأ قرارها الوطني في فقدان استقلاله. وهنا نصل إلى جوهر ما تعنيه السيادة بالنسبة إلينا.
السيادة ليست عَلماً يرفع، ولا حدوداً تُرسم على الخرائط – فحسب –، وليست شعارات تردد بينما تغيب المؤسسات القضائية، والرقابية عن ممارسة أدوارها؛ باستقلال، ومسؤولية.
السيادة أن يكون القرار الوطني حرا، وأن يكون تعاوننا، وتكاملنا مع مؤسسات الأمم المتحدة قائما على الشفافية، والجدية، والحياد؛ بعيداً عن الانتقائية، وازدواجية المعايير.
السيادة هي: صون حقوق الشعب الليبي، وكرامته من الانتهاكات، أيا كان مرتكبها، وضمان ألا يكون أحدٌ فوق القانون، وألا يفلت أحدٌ من المساءلة.
السيادة: أن تكون مؤسسات الدولة أقوى من الأشخاص، والجماعات، وأن يكون السلاح خاضعا للقانون، وأن تظل ثروة البلاد ملكا للشعب، لا غنيمة تتقاسمها أطراف، أو شبكات مصالح، أو شراكات مشبوهة تمارس الوصاية على الدولة.
والسيادة هي: أن نمنع المال الفاسد من شراء النفوذ، وأن نمنع النفوذ من أن يصبح حصانة تحمي المال الفاسد، فتلك دائرة – إن ترسخت –أضعفت الدولة من داخلها، وهددت بقاء مؤسساتها.
وفي هذا السياق: ندعو مجلس الأمن إلى الاضطلاع بمسؤولياته، ومتابعة ما يرد إليه من تقارير أممية؛ بما في ذلك: تقارير فريق الخبراء: من انتهاكات، وحالات عدم امتثال، والنظر الجاد في توصياتهم، واتخاذ ما يلزم، في إطار الاختصاصات المقررة؛ لضمان فاعلية تنفيذ قرارات المجلس، وتدابير الجزاءات ذات الصلة، دون انتقائية، أو ازدواجية في المعايير.
فلا ينبغي أن تتحول الانتهاكات الموثقة إلى مجرد وقائع تتكرر في التقارير، ولا أن تنتهي المساءلة عند حدود التوثيق، لأن هيبة القانون الدولي، ومصداقيةَ مؤسساتِه تقاسان بقدرتهما على الانتقال من: رصد الانتهاك؛ إلى: مساءلة مرتكبيه، ومن القرار إلى التنفيذ، على الجميع دون استثناء.
والسيادة كذلك، أن تكون علاقات الدولة الخارجية امتدادا لمصالحها الوطنية، لا امتدادا لصراعات الآخرين داخلها.
السيد الرئيس،
لقد دفعت ليبيا ثمنا باهظا حين تحولت التوازنات الإقليمية، والدولية إلى توازنات داخل أراضيها. ومن هنا، فإن رؤيتنا لعلاقات ليبيا الخارجية واضحة: لا نريد أن نستبدل نفوذا بنفوذ، ولا محورا بمحور، ولا تبعية بتبعية.
نريد علاقات قوية مع محيطنا العربي، وخاصة دول جوارنا، ونريد استعادة ليبيا لدورها الطبيعي داخل قارتها الإفريقية، ونريد شراكة استراتيجية متوازنة مع محيطنا المتوسطي، وفضائنا الإقليمي، والدولي. وفق قاعدة واحدة: المصالح المشتركة، والاحترام المتبادل، وعدم التدخل، واحترام السيادة الوطنية.
فالحليف الحقيقي لليبيا: ليس من يبحث عن أقوى طرف داخلها؛ الحليف الحقيقي هو: من يريد دولة ليبية قوية. والشريك الحقيقي: ليس من ترتبط مصالحه باستمرار الانقسام، بل من تٌصبح مصلحته معنا أكبر كلما أصبحت ليبيا أكثر وحدة، واستقرارا، وازدهارا.
نريد أن تتنافس الدول – في ليبيا – على الاستثمار، والإعمار، والطاقة والتقنية، والتنمية؛ لا أن تتنافس على النفوذ داخل مؤسساتها.
السيدات، والسادة،
بعد سنوات من الانقسام السياسي، والتجاذبات التي استنزفت الدولة، والمجتمع؛ لم تعد ليبيا بحاجة إلى مزيد من إدارة الأزمة، بل إلى إرادة تنهيها. وغايتنا واضحة: دولة موحدة ذات سيادة؛ تستمد مؤسساتها شرعيتها من إرادة شعبها، والطريق إلى ذلك هو: العودة إلى الشعب؛ عبر الآليات الدستورية، والقانونية، والاستفتاءات، والانتخابات الحرة النزيهة.
فالشعب هو: مصدر الشرعية، وهو القادر على منح المؤسسات وحدتها، واستقرارها؛ لا الصفقات المؤقتة، ولا التسويات الهشّة التي تنهار كلما تغيرت موازين القوى، أو تبدلت الولاءات.
وإذ نرحب بجهود، ونوايا كل دولة تسعى بإخلاص إلى إنهاء حالة الانقسام السياسي، والمؤسسي، ونقدر الدور المنوط ببعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، ومسؤوليتها في تيسير العملية السياسية، فإن التجارب السابقة تفرض علينا أن نكون واضحِين: إن أي مسار سياسي قابل للاستمرار؛ ينبغي ألا يخل بأربعة مبادئ حاكمة:
أولا: احترام الشرعية، والمرجعيات الدستورية، والقانونية النافذة، وعدم تجاوزها، أو استحداث ترتيبات سياسية خارج الأُطُر، والإجراءات المقررة.
ثانيا؛ مبدأ الملكية الوطنية خط أحمر؛ فيجب ألا تتحول الوساطة الدولية إلى وصاية، ولا إلى صناعة حلول من الخارج؛ فإرادة الليبيين هي الأساس، وإشراك الأطراف – المختلفة – كلها دون إقصاء، أو فرض؛ هو: الضمانة الحقيقية لاستدامة أي حل.
ثالثا: ضمان تكافُؤُ الفرص بين الأطراف جميعهم، ورفض استخدام القوة، أو النفوذ، أو الأمر الواقع لفرض نتائج سياسية مُسْبَقة.
رابعا: الالتزام بالشفافية في التفاهمات، والاتفاقات، وتحديد مراحل التنفيذ، ومددها، والجهات المسؤولة عنها، ووضع آليات واضحة للرقابة والمساءلة؛ بما يضمن مخرجات قابلة للتنفيذ، سليمة من الناحية القانونية، وقادرة على إنتاج مؤسسات شرعية، ومستقرة.
لقد علمتنا التجربة: أن التسويات الهشة قد تبدأ في التفكك بمجرد تغير موازين القوى، أو ظهور نتائجها، وأن أية ترتيبات تتجاهل المرجعيات القانونية الوطنية؛ تعرض نفسها للطعن، والنزاع وتُعيد إنتاج الأزمة؛ بدلاً من إنهائها.
فالشرعية، والمشروعية المستدامتان لا يصنعهما الأمر الواقع، ولا تحميهما موازين قوة متغيرة، وإنما تصنعهما إرادة الشعب، ويحميهما القانون.
وتَرجمةً لهذه المبادئ إلى مسؤوليةٍ وطنية، وعمل ملموس؛ نعلن من على هذا المنبر: إطلاق العمل على لجنة وطنية للتهدئة، وبناء الثقة؛ تستند إلى المبادرات الوطنية، والمحلية، وتهدف إلى استباق النزاعات، واحتواء التصعيد، والحيلولة دون تجدده، ودعم المصالحة، وتهيئة بيئة آمنة للعملية السياسية، والانتخابية.
وندعو جميع الأطراف الليبية إلى: الانخراط في هذا الإطار، كما ندعو الأمم المتحدة، وشركاء ليبيا إلى مساندته، وتيسيره، في احترام كامل للسيادة، والملكية الوطنية.
السيدات، والسادة،
إن ليبيا التي تستعيد سيادتها، ووحدة مؤسساتها لن تكون مكسبا لليبيين وحدهم، بل ستكون قوة للاستقرار في عالمها العربي، وعُمقاً للأمن، والتنمية في أفريقيا، وشريكا مسؤولا في المتوسط، وجسرا للتعاون بين الشمال والجنوب.
ومن هذا المنبر، تعلن ليبيا ترشحها لعضوية مجلس الأمن للفترة: 2028 2029 عن المقعد الأفريقي، تحت شعار: «تكريس العدالة من أجل الأمن، والسلام – ليبيا جسرٌ بين الأمم»، وتتطلع إلى ثقة الدول الأعضاء، ودعمها لهذا الاستحقاق.
ولا يمثل هذا الترشح مجرد طموح دبلوماسي، بل يجسد إرادة وطنية لاستعادة ليبيا دورها الطبيعي في محيطها الدولي، والاضطلاع بمسؤوليتها في صون السلم، والأمن الدوليين، انطلاقا من قناعة راسخة بأن: السلام لا يُبنى على غياب النزاع – فحسب – بل على إرساء العدالة، ومعالجة أسباب الظلم، والاضطراب.
إن ليبيا لا تتقدم لهذا المقعد بحثاً عن موقع فحسب، بل سعياً إلى الإسهام في بناء نظام دولي أكثر إنصافاً، وإلى أن تكون جسراً بين الأمم، وصوتاً للتوافق، وشريكاً فاعلاً في صناعة السلام.
ومن هنا؛ فإن رسالتنا إلى أصدقائنا، وشركائنا؛ ليست أن يتخلوا عن مصالحهم في ليبيا، بل أن يبنوها معنا على قاعدة أرسخ: أن تكون المصلحة في استقرار ليبيا، لا في هشاشة مؤسساتها، وفي الشراكة معها؛ لا في النفوذ داخلها. ونحن – الليبيين – نتحمل المسؤولية الأولى.
فالوطنية: ليست دفاعا عن السيادة في مواجهة التدخلات الخارجية السلبية؛ بل هي –أيضا –حماية الدولة من الفساد في الداخل، وصون المال العام،، وإعلاء سيادة القانون، وتقديم الوطن على السلطة، والمصلحة.
إن أمام ليبيا – اليوم – فرصة لأن تغادر دائرة المراحل الانتقالية إلى زمن الدولة، وأن تستعيد الدور الذي يليق بتاريخها، وموقعها، ومكانتها بين الأمم.
ليبيا لا تريد أن تكون ساحة تتوازن فوق أرضها مصالح الآخرين، بل دولة تصنع توازنها بإرادتها. ولا تريد أن يتنافس الآخرون على النفوذ فيها، بل أن يتنافسوا على الشراكة معها. ذلك هو الطريق الذي نختاره لليبيا: دولة سيدة في قرارها، موحدة في مؤسساتها، عادلة بين أبنائها، وشريكاً للسلام، والاستقرار في محيطها، والعالم.
ذلك حقُّ شعبِنا، ومسؤوليتُنا أمامَه، وأمانتُنا تجاهَ الأجيالِ القادمة.
والسلام عليكم، ورحمة الله وبركاته.
